مجمع البحوث الاسلامية

290

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أ - قدّم مريد حرث الآخرة على مريد حرث الدّنيا في الذّكر تفضيلا له ، كما قال عليه السّلام : « نحن الآخرون السّابقون » . ب : قال في مريد حرث الآخرة : نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وفي مريد حرث الدّنيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وكلمة ( من ) للتّبعيض فيعطيه بعضه دون كلّه ، كما قال : عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ الإسراء : 18 . ثمّ أيّده بالبرهان العقليّ في البابين ، لأنّ من عمل للآخرة وواظب عليه فكثرة الأعمال توجب حصول الملكات ، فكلّما كانت مواظبته عليها أكثر كان ميله إلى طلب الآخرة أشدّ ، فكان الابتهاج بها أعظم والسّعادات أكثر . وأمّا طالب الدّنيا فكلّما كانت مواظبته على أعمالها أكثر ، كانت رغبته في الفوز بالدّنيا أكثر ، وميله إليها أشدّ . وإذا كان الميل أبدا في التّزايد بقي على حالة واحدة وكان الحرمان لازما له . ج : إنّه قال في حرث الآخرة : نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وبقي ساكتا عن إعطائه الدّنيا والآخرة ، كأنّه يقول : الآخرة أصل والدّنيا فرع . فواجد الأصل واجد للفرع بقدر الحاجة إلّا أنّه لم يذكره ، لأنّ الدّنيا أخسّ من أن يقرن بالآخرة . د : إنّه بيّن في نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ أنّ طالب الآخرة يكون حاله أبدا في التّرقّي والتّزايد ، وفي نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أنّ طالب الدّنيا في الدّنيا حاله في نقصان ، وفي الآخرة في تمام البطلان . ه : إنّ الآخرة نسيئة والدّنيا نقد ، والنّسيئة مرجوحة عند النّاس بالنّسبة إلى النّقد ، فبيّن اللّه أنّ هذه القضيّة معكوسة في أحوال الدّنيا والآخرة ، والآخرة وإن كانت نسيئة إلّا أنّها متوجّهة للزّيادة والدّوام ، والدّنيا وإن كانت نقدا إلّا أنّها متوجّهة إلى النّقصان ، ثمّ إلى البطلان ، فهي أرذل وأخسّ ، ولا نسبة بينهما ، وإنّ للدّنيا مجرّد اسم من أحوال الآخرة . ز : ما تقدّم منه أنّ كلمة « حرث » فيهما تدلّ على وجود السّعي وتحمّل المتاعب فيهما - وأنّ الآخرة في تزايد والدّنيا في نقصان - فصرف المتاعب فيما هو في التّزايد والبقاء ، أولى من صرفها فيما يكون في النّقصان والفناء . و : ونضيف نحن وجها سابعا ذكره ابن عطيّة وهو : أنّ الوعد في حرث الآخرة منجّز دون حرث الدّنيا ، لأنّ معنى نُؤْتِهِ مِنْها ما شئنا ولمن نشاء ، كما قال : عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ الإسراء : 18 ، فربّ طالب للدّنيا محروم منها . 8 - طرح عبد الجبّار سؤالا : كيف قال فيمن يريد حرث الدّنيا : وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ومعلوم أنّ فيمن يريد حرث الدّنيا من له نصيب في الآخرة ؟ وأجاب : بأنّ المراد : من كانت إرادته مقصورة على حرث الدّنيا فلا نصيب له في الآخرة . ونقول : سياق الآية ينفي السّؤال رأسا ، فلا موقع له أصلا . 9 - قال : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها فأنّث الضّمير ( منها ) وهو راجع إلى « حرث » ؟